ابن عجيبة
182
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وهم العباد والزهاد ، وقوم أقامهم لحمل شريعته وتمهيد دينه ؛ وهم العلماء العاملون ، وقوم أقامهم لحفظ كتابه رسما وتلاوة وتفهما ؛ وهم القراء والمفسرون ، قال تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ، وقوم أقامهم لتسكين الفتن ودفع المظالم والمحن ؛ وهم الحكام ومن يستعان بهم في تلك الوجهة ، وقوم أقامهم لحفظ نظام الحكمة ؛ وهم القائمون بالأسباب الشرعية على اختلاف أنواعها وتعدد فروعها ، وقوم أعدهم لظهور حلمه وعفوه فيهم ؛ وهم أهل المعاصي والذنوب ، وقوم أعدهم للانتقام وظهور اسمه القهار ؛ وهم أنواع الكفار . فكل وجهة من هؤلاء توجهت لحق شرعي أقامتها القدرة فيه ، وحكم بها القضاء والقدر ، إلا أن القسمين الأخيرين لا تقررهما الشريعة . فلو حسنت المقاصد لكان الكل عمالا للّه ، فيقال لهم : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ بتحسين المقاصد والنيات ، وبادروا إلى الطاعات قبل هجوم هادم اللذات ، أينما تكونوا يجمعكم للحساب ، وتعاينوا جزاء ما أسلفتم من عذاب أو ثواب ، ومن حيث خرجت أيها العارف فولّ وجهتك وكليتك لمسجد الحضرة باستعمال الفكرة والنظرة ، فإنها حق وما سواها باطل ، كما قال الشاعر : ألا كلّ شئ ما خلا اللّه باطل * وكلّ نعيم لا محالة زائل « 1 » وحيثما كنتم أيها العارفون فولوا وجوهكم إلى قبلة تلك الحضرة ، واعبدوا ربكم بعبادة الفكرة ، فإنها صلاة القلوب ، ومفتاح ميادين الغيوب ، وفي ذلك يقول القائل « 2 » : يا قبلتي في صلاتي * إذا وقفت أصلّى جمالكم نصب عيني * إليه وجّهت كلّى فإذا تحققتم بهذه الحضرة ، وتحصنتم بحصن الشهود والنظرة ، انقطع عنكم حجج خصيم النفس والجنس ، وتنزهتم في رياض القرب والأنس ، إلا الخواطر التي تحوم على القلوب ، فلا تقدح في مشاهدة الغيوب ، فلا تخافوا غيرى ، ولا تتوجه همتكم إلا لإحسانى وبرّى ؛ فإني أتم عليكم نعمتي ، وأرشدكم إلى كمال معرفتي ، وأتحفكم بنصري ومعونتى .
--> ( 1 ) نقل الحافظ ابن حجر في الفتح 7 / 188 : ( أن لبيدا أنشد من شعره ( ألا كلّ شئ ما خلا الله باطل ) ، فقال عثمان بن مظعون : صدقت . فقال لبيد : ( وكل نعيم لا محالة زائل ) . فقال عثمان : كذبت ؛ نعيم الجنة لا يزول . . ) . ( 2 ) ابن الفارض .